ابن أبي الحديد

64

شرح نهج البلاغة

الأرض ) ( 1 ) وهذا الكلام استعارة . قال لو أمعنت النظر لعلمت أن خالق النملة الحقيرة هو خالق النخلة الطويلة لان كل شئ من الأشياء تفصيل جسمه وهيئته تفصيل دقيق ، واختلاف تلك الأجسام في أشكالها وألوانها ومقاديرها اختلاف غامض السبب ، فلا بد للكل من مدبر يحكم بذلك الاختلاف ويفعله ، على حسب ما يعلمه من المصلحة . ثم قال وما الجليل والدقيق في خلقه الا سواء لأنه تعالى قادر لذاته ، لا يعجزه شئ من الممكنات . ثم قال ( فانظر إلى الشمس والقمر ) إلى قوله ( والألسن المختلفات ) ، هذا هو الاستدلال بامكان الاعراض على ثبوت الصانع والطرق إليه أربعة : أحدها الاستدلال بحدوث الأجسام . والثاني الاستدلال بامكان الاعراض والأجسام . والثالث الاستدلال بحدوث الاعراض . والرابع الاستدلال بامكان الاعراض . وصورة الاستدلال هو أن كل جسم يقبل - للجسمية المشتركة بينه وبين سائر الأجسام - ما يقبله غيره من الأجسام ، فإذا اختلفت الأجسام في الاعراض فلا بد من مخصص خصص هذا الجسم بهذا العرض دون أن يكون هذا العرض لجسم آخر ، ويكون لهذا الجسم عرض غير هذا العرض ، لان الممكنات لا بد لها من مرجح يرجح أحد طرفيها على الاخر ، فهذا هو معنى ( قوله فانظر إلى الشمس والقمر ، والنبات والشجر ، والماء والحجر ، واختلاف هذا الليل والنهار ، وتفجر هذه البحار ، وكثرة هذه الجبال ، وطول هذه القلال ، وتفرق هذه اللغات ، والألسن المختلفات ) أي انه يمكن أن تكون هيئة

--> ( 1 ) سورة النساء 101 .